الشهداء أُمراء الجنة .. الشهيد الشيخ مشتاق الزيدي
2026/05/18
الشهيد الشيخ مشتاق عبد القادر حمود ادریس عبد العزيز الزيدي، ولد في عام ۱۹۷۹م في مدينة البصرة «العشار» منطقة الساعي، وانتقل مع عائلته الى محافظة واسط بسبب الحرب العراقية الإيرانية. تلقى حين بلوغه بعض تعاليم الإسلام على يد أخيه الأكبر لأمه الشيخ ميثاق الشيباني «حاليا معتمد المرجعية الدينية العليا في الكوت والذي يكبره بسبع سنوات، وبدءا معا يبحثان عن الكتب الدينية التي كان يصعب الحصول عليها بسبب المراقبة والمحاسبة الشديدة من الأجهزة القمعية لنظام صدام، وكان أول كتاب اشتراه كان مستنسخا وهو (بشارة المصطفى صلى الله عليه وآله لشيعة المرتضى للطبري الشيعي، حتى جمع مع أخيه مكتبة فيها العشرات من الكتب، وحينما بلغ الثامنة عشر سنة (١٩٩٦م - ۱۹۹۷م) أصر على الذهاب إلى حوزة النجف الأشرف والتحق بها مع أخيه (الشيخ ميثاق) الذي تخرج آنذاك في الجامعة، ويقول الشيخ ميثاق: كنا نسكن معا في غرفة يقرص بردها ويجهد حرها مع عسر مادي ومضايقة من الأجهزة الأمنية لصدام حتى كنا ننقطع عن الدرس أحيانا بسبب ذلك، لكنه رحمه الله كان سعيدا بدراسته وكنا نسير يوميا مسافة طويلة للوصول الى أماكن الدروس.
ونما غصنه واشتد عوده الى سقوط الطاغية كان له دور في الحفاظ على الممتلكات العامة والكشف عن الخلايا النائمة التي كان يخشى من تجمعاتها، وكان مقداما في هذا الأمر وقد تعرض في احدى المرات إلى إطلاق نار من لدنهم، كذلك عمل في التبليغ ثم عاد لدرسه وتدريسه.
كان قد حضر الشيخ الشهيد رحمه الله دروسا كثيرة عند عدد من العلماء والفضلاء في النجف الاشرف في مراحل المقدمات والسطوح، حتى حضر بحث الخارج في الفقه والاصول عند آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم وآية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض وآية الله الشيخ باقر الإيرواني، كما انه قد حضر دروساً وبحوثا في العقائد والتفسير والتاريخ في السنوات العشر الأخيرة من عمره عند المحقق السيد سامي البدري وقد لازمه في بعض أسفاره التبليغية في داخل العراق.
كان للشيخ الشهيد رحمه الله اجازات في الرواية وهي كثيرة منها : اجازة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض دام ظله. اجازة آية الله العظمى الشيخ بشير حسين النجفي دام ظله. اجازة آية الله العظمى السيد موسى الشبيري الزنجاني دام ظله. اجازة آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي دام ظله. اجازة آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني دام ظله. اجازة آية الله الشيخ باقر شريف القرشي رحمه الله.
اجازة آية الله السيد محمد باقر الموحد الاصفهاني حفظه الله.
اجازة آية الله الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله.
توجه رحمه الله لتحقيق المخطوطات والمطبوعات الى جانب دروسه فصدر له:
١. تحقيق وتعليق على كتاب النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر) للعلامة الحلي، شرح الفقيه المقداد السيوري طبع في ايران ثم طبع مرة أخرى من لدن العتبة الحسينية المقدسة.
۲. تحقيق وتعليق على كتاب ( الزهرات الزوية في الروضة البهية) للشيخ علي العاملي سبط الشهيد نشرة يصدرها مركز فجر عاشوراء الثقافي التابع للعتبة الحسينية ملحق خاص ( ١٢ ربيع الثاني ١٤٣٦هـ) ويعنى بتيسير الثقافة الاسلامية برواية أهل البيت للمواكب الحسينية الثاني صاحب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، وصدر منها ثلاثة أجزاء، وأكمل جزئين آخرين وهما في طريقهما للطبع، وبقيت ثلاث أجزاء هجرها مضطرا على الرغم من عزمه إتمام هذه الدورة بقوله رحمه الله لمسؤول الطباعة في دار المؤرخ العربي في بيروت في اخر اتصال جرى بينهما حينما سأله عن الأجزاء المتبقية: «الوقت الآن لتلبية نداء المرجعية الدينية العليا، وأنا منشغل بجبهات القتال، وليس لدي وقت للتحقيق».
3. شرح مناسك الحج لآية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله.
٤. له حلقات في صحيفة صدى المهدي لمركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي :
كان رحمه الله يمارس التدريس للمواد الحوزوية، الفقه والاصول والكلام ودراية الحديث وغير ذلك، وشرع في الآونة الاخيرة بتدريس المكاسب، وامتاز بتدريس الروضة البهية كثيرا وقد اتم عدة دورات، مما ساعده ذلك في تحقيق الزهرات الزوية، وكان مسؤولا عن ادارة مدرس الميرزا جواد التبريزي قدس سره النجف الاشرف.
كان رحمه الله فيه من الصفات ما جعلته أهلا لنيل الشهادة حيث كان كريم النفس طيب العشرة حسن المجالسة كثير التواضع لا يحب الشهرة يستغفر لمن يؤذيه ويدعو له بالهداية، ويساعد الفقراء والمعوزين، وكان يحب العلماء وطلبة العلم حبا عجيبا، وكان لهم سندا في بداياتهم للدرس فيسعى ملبيا مختلف احتياجاتهم مما يقدر عليه ايضا كان سندا وظهيرا للشباب المؤمن ينسق بين الجامعات وبين أساتذة الحوزة، فكان ينظم الدورات الدينية والثقافية والحلقات الدراسية بين الشباب في المحافظات. وقد كان رحمه الله من أشد الناس دفاعاً عن مظلومية السيدة الزهراء عنها المالك.
بعد فتوى الدفاع الكفائي التي صدرت من المرجعية العليا في النجف الاشرف ( ١٤ شعبان ١٤٣٥ هـ)، ترك الشيخ الشهيد رحمه الله مباشرة دروسه الحوزوية كاملة، وترك مخطوطاته التي أحبها وعزم على تحقيقها ليلبي نداء المرجعية العليا، فبعد أن قضى سنوات من عمره المبارك يتزود من علوم محمد وآل محمد التحق بالحشد الشعبي في جبهات القتال.
بدأ بجمع المؤمنين الراغبين بالتطوع للدفاع عن الوطن، وبدأ بتنظيمهم وتدريبهم واستعان بخبرات من لديه الكفاءة والخبرة، ومن خلال معارفه قام بجمع السلاح والعتاد والمواد اللازمة وكان مقر الفوج في احدى الحسينيات بين النجف الاشرف وكربلاء المقدسة وكل ذلك ضمن إمكانات محدودة جدا، وكان الفوج في بداية أمره تشكيلا مستقلا، وسرعان ما اصبح ضمن تشكيلات لواء المرتضى في فرقة الإمام أمير المؤمنين علي ال التابعة للعتبة العلوية المقدسة بقرار من الشيخ الشهيد رحمه الله فساهمت مجموعة من الفوج بقيادة ابن عمه وزوج اخته وساعده الأيمن العقيد عماد الزيدي في معركة سبايكر ومن ثم في معارك بلد ومعارك تحرير ،آمرلي حتى التحق بنفسه قائدا ميدانيا قبيل تحرير آمرلي التي اشتركت في فك الحصار عنها كل فصائل الحشد الشعبي في العراق.
ومن أعماله كقائد من أبرز قادة الحشد الشعبي
۱. قاد بنفسه معارك تحرير الكرغول، البو حصوة البو طارش الجمهورية، المطيرات، شارع المخازن باتجاه اللواء السابع عشر، وأخيرا البو حشمة التي استشهد فيها رحمه الله.
٢. فتح رحمه الله العديد من المدارس التي حرمت من الدراسة بسبب الإرهاب حيث أرسل في طلب المدرسين والمعلمين وحثهم وحث عوائل الطلبة على استئناف التعليم.
٣. إعادة العوائل المهجرة في منطقة (خمسة طوير).
٤. تأمين المناطق التي رفعت الراية البيضاء ولم تدخل في معارك مع فوج سيد الأوصياء التابع للعتبة العلوية المقدسة وهما منطقتا (الجمهورية) و (البو حميد)، فبقيت العوائل على وضعها ولم تتعرض لأي أذى، مما أعطى صورة رائعة عن اخلاق اتباع أهل البيت (عليهم السلام).
استشهد رحمه الله في البو حشمة احدى نواحي قضاء بلد بتاريخ (۲ / ربيع الأول / ١٤٣٦ هـ) المصادف الخميس (٢٥ / ١٢ / ٢٠١٥م).
كانت لديه وصايا عديدة، منها:
1. أن يصبر اخوته على قلب امه لأنه قادم على أئمته وسادته المعصومين الله.
٢. أن تنثر الحلوى على جنازته لفوزه بشراب السعادة بكأس الشهادة.
3. ان توضع جنازته في مكتبته التي عشقها وهي ما يقرب من الثلاثين ألف كتاب ومخطوطة.
٤. ان لا ينساه المؤمنون من الدعاء ما ذكروه.
ه. ان يبرأ ذمته كل من عرفه وقد أبرأ ذمة الجميع من حقه الشخصي.
٦. ان يحج عنه بالنيابة لأنه أعرض عن الحج الذي عرض عليه باعتبار ان الجهاد في نظره أهم.
7. ان لا ينساه اولاده من الاعمال الصالحة لأنه أحسن تربيتهم وضحى بنفسه ليعيشوا بكرامة. وشيعت جنازته في تشييع مهيب مع رفاقه الذين استشهدوا معه، حضره كثير من رجالات الحوزة العلمية كسماحة آية الله السيد محمد رضا السيستاني نجل المرجع الأعلى دام ظله وممثلين عن مكاتب المراجع العظام وطلبته وأحبائه، وصلى عليه استاذه آية الله الشيخ محمد باقر الإيرواني (حفظه الله) في العتبة العلوية المقدسة، ودفن في أرض كان قد اشتراها مسبقا له ولإخوته وعيالهم، وكان قد بنى له قبرا فيها وكتب عليه:
بقبرك لذنا والقبور كثيرة ولكن من يحمي الجوار قليل
وقد دفن بملابس الشهادة كما هي فتوى المرجعية ووصيته أيضا. وقد ترك أما مذهولة من هول الصدمة، وترك زوجة وثلاثة بنات (زهراء، أضواء، فاطمة المعصومة) وقد صحن خلف جنازته (اللهم تقبل منها هذا القربان اقتداءً بالسيدة زينب الثلا، وله ثلاثة أولاد (محمد رضا، محمد باقر، محمد حسن وكلهم صغار في العمر، والأخير كان قد عوّده والده ان يراسله عبر برنامج الواتساب
برسائل صوتية، وقد أصر (محمد حسن) البالغ من العمر ثلاث سنوات تقريبا بعد شهادة أبيه أن يرسل له رسالة صوتية (بابا انا أحبك يمتا تجي).
وترك اخوة جُرح فؤادهم به وهم:
الشيخ ميثاق الشيباني اخوه من امه الذي لم يفارقه ابدا، رفاق الزيدي، اخته ام حسين، وصفاء وعلي اخويه من أبيه).
رثاء:
وقد رثي ببعض الأبيات الشعرية:
لبو نداء للجهاد جميعا
ومضوا الى رحب الجنان سريعا
تركوا الاحبة والديار واهلها
وغدت لفقدهم تسيل دموعا
مشتاق قد نلت الشهادة فائزا
وتركت كم من صاحب مفجوعا
شيخا وقورا للعلوم كفاءة
ابدا فلا قابلتها بخنوعا
قد ذدت عن ارض العراق وقدسه
نعم العمائم للفدا مشروعا
ورثي ببيتين آخرين اختلفت النسبة لقائلها:
إن من نبكي عليه عالم
عامل جاد بنفس طاهرة
غاب عنا عاجلا والملتقى
عند رب راحم في الآخرة
واكمل البيتين احد الطلبة مؤرخا له:
وله أرخت (في زهو ألا إن مشتاقا بأيدي السفرة)
فما بين القوسين قيمته العددية: (١٤٣٦)، وذاك على حساب أن التاء المربوطة في نهاية الكلمة لا تلفظ فتكون بمنزلة الهاء.
_______________________________________________________________
المصدر: موسوعة فتوى الدفاع الكفائي، الجزء 27 جهود الحوزة العلمية في النجف الاشرف، ص28 - 34.
تدقيق وتصميم : اكرم علي الداوودي